محمد الغزالي

406

فقه السيرة ( الغزالي )

قال ابن إسحاق : وكان في الجيش رجل منافق ، فقالوا : ويحك هل بعد هذا من شيء ؟ فقال : سحابة مارة ! . وفي الطريق مرّ المسلمون بالديار التي كانت ثمود تسكنها ، وهي أطلال هامدة ، واثار بقيت تذكّر بغضب اللّه على من كذّبوا رسله ، وتعجّلوا عقابه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم » « 1 » . والظاهر أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يريد ألا يغافل المسلمون عن مواطن العظة ، وألا يستهينوا بما خلا قبلهم من مثلات ، فإنّ المرء لو قيّض له أن يزور السجون ، ويشهد مثلا غرفة الإعدام ؛ فليس يليق أن ينظر إلى حبل المشنقة وهو شارد أو ضاحك ، لا أقلّ من بعض الأسى لأحوال المجرمين ومصارعهم ! . وروى أحمد عن جابر : لما مرّ النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحجر ، قال : « لا تسألوا الآيات خوارق العادات - فقد سألها قوم صالح ، فبعث اللّه لهم ناقة ، فكانت ترد من هذا الفجّ ، وتصدر من هذا الفجّ ، فعتوا عن أمر ربّهم فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما ، فأخذتهم صيحة أهمد اللّه بها من تحت أديم السّماء منهم » « 2 » .

--> - الحافظ في ( اللسان ) : 4 / 129 ، وذكر أنّ العقيليّ أورده في : ( الضعفاء ) ثم ساق له حديثين ، ثم قال : « ولا يتابع على الحديثين جميعا » ، نعم قد أورد الحديث الهيثمي في ( المجمع ) : 6 / 194 - 195 ، ثم قال : « رواه البزار والطبراني في الأوسط ، ورجال البزار ثقات » ، فإذا صحّ هذا ، فالحديث حسن - إن شاء اللّه - أو صحيح . ( 1 ) صحيح ، أخرجه أحمد ، رقم ( 5225 ، 5342 ، 5404 ، 5441 ، 5645 ، 5705 ، 5931 ، 6561 ) ، من حديث ابن عمر ، وهذا أحد ألفاظه ، وأخرجه البخاري : 8 / 102 ؛ ومسلم : 8 / 221 ، نحوه . ( 2 ) في المسند : 3 / 296 ، من طريق عبد اللّه بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر . وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه ( 5 / 11 ) : « إسناده صحيح » ، وكذلك صحّحه الحاكم من هذا الوجه : 2 / 340 - 341 ؛ ووافقه الذهبي . واقتصر الحافظ في ( الفتح ) : 6 / 294 ، على تحسينه ، وهذا أقرب . وفي كل ذلك عندي نظر ! فقد تعلمنا منهم أن أبا الزبير مدلس ، وأنّه لا تقبل روايته المعنعنة ، إلا إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه وهذه ليست منها ! وقد قال الذهبي : « وفي صحيح مسلم عدّة أحاديث لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر ولا هي من طريق الليث منه ، ففي القلب منها شيء » . قلت : فكيف يصحّ إذن ما ليس منها في صحيح مسلم كهذا ؟ ! .